عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

201

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ولا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ واللَّه يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 11 ) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 12 ) * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) * يريد الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر أو الصداقة والموالاة . * ( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ) * من دياركم . * ( لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ولا نُطِيعُ فِيكُمْ ) * في قتالكم أو خذلانكم . * ( أَحَداً أَبَداً ) * أي من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين . * ( وإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ) * لنعاوننكم . * ( واللَّه يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك كما قال : * ( لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ) * وكان كذلك فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثم أخلفوهم ، وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن . * ( ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ ) * على الفرض والتقدير . * ( لَيُوَلُّنَّ الأَدْبارَ ) * انهزاما . * ( ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) * بعد بل يخذلهم اللَّه ولا ينفعهم نصرة المنافقين ، أو نفاقهم إذ ضمير الفعلين يحتمل أن يكون لليهود وأن يكون للمنافقين . لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 ) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) * ( لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً ) * أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول . * ( فِي صُدُورِهِمْ ) * فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين . * ( مِنَ اللَّه ) * على ما يظهرونه نفاقا فإن استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة اللَّه . * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) * لا يعلمون عظمة اللَّه حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى . * ( لا يُقاتِلُونَكُمْ ) * اليهود والمنافقون . * ( جَمِيعاً ) * مجتمعين متفقين . * ( إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ ) * بالدروب والخنادق . * ( أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ) * لفرط رهبتهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « جدار » وأمال أبو عمرو فتحة الدال . * ( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ) * أي وليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا ، بل لقذف اللَّه الرعب في قلوبهم ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب اللَّه ورسوله . * ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ) * مجتمعين متفقين . * ( وقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) * متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم . * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) * ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم . كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 15 ) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّه رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) * ( كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) * أي مثل اليهود كمثل أهل بدر ، أو بني قينقاع إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير ، أو المهلكين من الأمم الماضية . * ( قَرِيباً ) * في زمان قريب وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل . * ( ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ) * سوء عاقبة كفرهم في الدنيا . * ( ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * في الآخرة . * ( كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ) * أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان . * ( إِذْ قالَ لِلإِنْسانِ اكْفُرْ ) * أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور . * ( فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّه رَبَّ الْعالَمِينَ ) * تبرأ عنه